
لقد تحسنت حالة والدى كثيرا .. لقد وعد الطبيب بانه سيغادر المشفى هذا الاسبوع . ما زالت أمى ماكثة معه .. و مازالت قلقة فهو رغم تحسن حالته .. الا انه يتناول الكثير و الكثير من الأدوية كما انه لا يبرح سريره .. لقد صار نحيلا جدا .. شفاك الله يا أبى و عافاك و أطال فى عمرك
حسنا انا الان فى طريقى الى الكلية .. تسير كلا من المتمردة و السمراء جوارى .. تبدوان طبيعيتان .. بينما انا لا .. كيف و كلها ساعتين من الزمن و أرى معتز .. لم اتفق معه على موعد و لكننى على يقين بانه سيأتى
هنا .. قاطعتنى ضحى .. و يبدو انها تقرأ أفكارى أو ما شابه .. ( نور ألا تلحظين انك غير طبيعية بعض الشئ ) .. حسنا ربما كان السؤال مفاجئا ؟؟ .. فقلت .. من .. انا .. لا .. بالطبع لا .. أنا طبيعية .. كما أنا .. اتلحظين شيئا ؟؟
وجدت من ينظر الىّ اخاف من تلك العينين عندما تلمعان .. استكملت ضحى ( حسنا ربما لا شئ مميز سوى انك تتجاهلين صديقاتك الى حد ما ) .. نظرت الى ردائها الأسود و لكننى لم اجرؤ النظر الى تلك العينين البنيتين اللامعتين ثانية قلت انا .. كيف هذا ؟؟
هنا سمعت صوتا حادا تعودت على سماعه زمانا و لكننى لم أسمعه كثيرا فى الفترة الاخيرة .. يبدو ان ايلين فضلت الدخول فى الحوار بطريقتها الخاصة .. نور .. أنت لست كما أنت .. لست نور التى أعرفها .. لست من كنا أهم شئ فى حياتك ... و لم تكنى ترتاحى يوما أو تشعرى بسعادة الا لسعادتنا .. لن أطيل عليك الحديث .. و لكننى أشعر بالحزن ليس لما فعلته فى تلك الامتحانات أو لأن والدىّ سافرا و تركانى وحيدة .. بل من اجلك أنت .. فأنا ام أشعر يوما بتلك الوحدة .. فأنت و ضحى أختاى اللتان لا اتخيل حياتى بدونهما .. و لن أسمح ان ارى واحدة منهما بهذا الشكل .. انتى لا تهتمين بدروسك .. و لا تذكرين ان لك أصدقاء حتى .. لا تجيبين على الهاتف .. حتى هاتف المنزل لا يرد .. و ان رد أحدهم فيكون اخاك تامر يخبرنى بانك نائمة .. انت تخبئين شيئا يا نور و ليس هذا ما تعودنا منك عليه .. قالت تلك الجملة و نبرة الحزن ترتسم على شفتيها .. بينما طبقة من الدموع الغزيرة تابى النزول و تتلألأ فوق تلك العينين الخضراوين
لم ينقذنى من هذا السؤال سوى أننا قد وصلنا ووجدت تلك الشقراء مقبلة نحوى .. ابتسمت سريعا و بادرتها .. منة كيف حالك .. ربما اعطيت الابتسامة بهجة أكبر من حقها .. و لكن كيف لا و تلك هى الوسيلة لكى اهرب من تلك الاربعة عيون التى تتلألأ أمامى
اعتذرت الى الين و ضحى انى سأتركهم .. فعندى احدى الدروس العملية لماة التشريح .. و هذا الدكتور وصفى صعب كثيرا ولا يسمح بدخول أحدا بعده ..
خرج هذا الاعتذار منى و أنا فى طريقى الى المشرحة و تمسك أحدهم بيدى .. لكن كان هناك اعتذار اكبر يضمره قلبى و لكن لا أدرى لما لم يخرج حينها ..
و ما ان انهيت كلامى .. حتى وجدت هذا الفتى يرمق هذا الفريق الذى يتكون من تلك الأربع فتيات بنظرة استخدمت جميع خلاياى العصبية لأفهم معناها و لكننى عجزت .. لم اجد لها تفسيرا سوى انه مازال معجبا بايلين .. لقد كان الفتى حسن .. أرسل الينا تلك النظرة بل أقصد اطلقها . عندما كان واقفا الى جماعة من اصدقائة يستندون الى سيارة أحدهم .. لم أشغل بالى كثيرا و اتجهت صوب المشرحة .. كان هذا الفتى عبد الرحمن يتحد الى دكتور وصفى بينما دكتور وصفى يتحدث اليه بانصات .. فرحت كثيرا انى وصلت فى الموعد ..فلم أكن اتخيل انى سأصل بعد هذا الحوار الطويل .. وجدت لى مقعدا و كذلك منة و انتظرنا بدء الدرس .. و لكننا لم ننتظر كثيرا حتى وجدنا هذا الطبيب قد أقبل على حلقة جديدة من الشرح النظرى استمرت لنصف ساعة لم أكن أنا احدى بطلاتها على الاطلاق
انطلقنا الى مجموعات الشرح العملى و تم توزيعنا على بعض المعيدات .. و جدت نفسى أقف الى احدى المجموعات .. و لكننى لاحظت ان منة ليست جوارى يبدو انها تقف فى احدى المجموعات الاخرى .. كان هذا الدرس صعبا جدا .. فقد كان يتناول الذراع كاملة بكل ما تحمله من عضلات و أوعية .. لقد استخدمت نفس الخلايا التى استخدمتها فى تفسير نظرة حسن و لكنها تلك المرة أسعفتنى .. و ما انتهت الطبيبة لم أجد نفسى الا و أنا خارج المشرحة أستنشق بعض الهواء النقى .. فقد ظللت ساعتين فى هذا المكان استنشق رائحة الفورمالين .. لم أكد أسلم بأنى قد فقدت حاسة الشم .. حتى شعرت بأنى داخل بستان مرة واحدة .. استنشق عطور هذا البستان ..فاستدرت و لم أتعجب كثيرا .. فقد كان معتز فى انتظارى كما توقعت .. و كان هذا البستان هو العطر الذى يضعه .. ابتسمت اليه .. ثم دعانى لكى أستريح ..فوافقت فقد كنت متعبة كثيرا من هذا الدرس العملى .. كما اننى كنت بحاجة الى تلك اللحظات بغدما شعرت باننى لا شى بعد محاضرتى الين و ضحى فى الصباح .. أخذنا نتحدث قليلا و قد اتخذت انا دور المستمع .. فلم اكن اتكلم الا قليلا .. كان يسأل و أنا أجيب بنعم أو لا و أكتفى بالصمت على بعض الأسئلة على انى كنت مستمتعة كثيرا .. لم يقطع هذا الاستمتاع سوى صوت صياح عال ..
أتعلمون لو كان صياحا عاديا .. لما تركت مكانى أبدا .. ولقد كان صياحا و صراخا بل كان بكاءا و عويلا .. و أرى من يهرولون الى الخارج و يصرخون صراخ هيستيرى .. و كأنه قد جاءت الكائنات الفضائية لتحل الكوكب ..
اتجهنا الى مصدر الصوت غير مبالين بما يحدث حولنا فقد كاد فضولى يقتلنى .. حاولت أن أسأل أحد المهرولين عما يحدث .. و لكننى كلما سألت أحدا ارى أن لسانه قد انعقد عن الكلام ثم يكمل مسيره مازالت عينيه جاحظتين ..
حسنا اننا نقترب أكثر .. أنا لست فى الاستعداد النفسى الكاف لأرى ما يفزعنى .. حسنا هناك بعض الطلاب و الأطباء يلتفون حول فتاة شقراء تطفو فوق بركة من الفورمالين ..
هذا ما استطعت تذكره عندما عاد الى الوعى .. و الذى لا استطيع تصديقه حتى الان .. لقد دخلت الى المشرحة لأجد منة تطفو فى صندوق الفورمالين مغمضة عينيها .. و تبدو بكامل هيأتها كما رأيتها منذ الساعتين .. و لكن كيف وصل بها الحال هكذا و من الذى قتلها و لماذا ..
أيمكن أن تكون قد انتحرت .. و لكن لماذا تنتحر فهى فتاة .. اقصد انها كانت فتاة فى مقتبل العمر لم تكمل الثامنة عشر بعد و فائقة الجمال و دائما مبتهجة و .. و لكن كيف تنتحر أصلا فى هذا البئر القاتل !! كيف .. من فعل ذلك ؟ .. لماذا ؟ .. أننى أشعر بدوار .. أرغب فى التقيؤ .. ارغب فى تدمير هذا الكون بأكمله .. لا استطيع محو تلك الصورة من مخيلتى منة صديقتى مقتوله .. تطفو فوق هذا المكان اللعين ..
نور هيا أفيقى .. هونى على نفسك .. لا بد أن نترك هذا المكان .. هيا انهضى الشرطة قادمة الآن .. و لكننى لم أكن أمتلك أى قوة لتحريك أى جزء من جسدى .. حتى جفنى لم استطع تحريكهما لازاله هذا السيل من الدموع الذى يحجب الرؤية أما مقلتى تماما .. و لا يسمح لهما برؤية أى شيى سوى تلك المسكينة فى هذا الوضع البشع .. ربما عندما أزلت تلك الطبقة المتجددة من الدموع .. استطعت ان أرى عينان زرقاوان دامعتان مازالتا تحثانى على النهوض ..
حسنا أنا الان فى سيارة معتز فى طريقى نحو المنزل .. لا تسألونى كيف أو لماذا .. أنا لا أتذكر حالتى عندما وجدت رجال الشرطة مقبلين .. و كذلك لا أتذكر عدد مرات الإلحاح و الصراخ الذى صرخه بى معتز.. لا أتذكر سوى انى أريد لو أن هذا اليوم لم يبدأ من الأساس ..
يتبع ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق