
إنقطع هذا الحوار .. بينما شحبت الأوجه ..ربما في انتظار مصيرها المحتوم .. الظلام يتزايد و يحجب اضاءة المصباح الصغير .. تتعالي ضحكات مريبة في اركان الغرفة لترج جدرانها .. نحاول الالتفات الي مصدر الصوت لكي نري قاتلنا لكي اري ميادة
لاانكر اني اشعر بالرعب اختفت النظرة الواثقة لكل من معتز وحسن .. مازال عبد الرحمن صامتا .. ربما مازال مصدوما بينما ترتعد ضحي من شدة الرعب
تغلف الغرفة الان بكتلة من الظلام تستطيع ان تري يديك بصعوبة .. ماذا الان .. اين هذا الشبح .. اين هذا الميت الحي .. اين انت ياميادة
صوت خطواتها الثابتة يزيد احساسي بالرعب اخشي ان تقتلني قبل ان استطيع حتي رؤيتها انها في الغرفة الان انا متاكدة
فجاة أتى شخص ملثما باللون الأسود .. يغطى جسده بأكمله .. لا يظهر من و جهه المظلم سوى شعاعان ارجوانيان .. حسنا من هذا أو هذه .. كيف اعرف .. أهذه مياده ؟!
استمرت .. ماذا أقول .. استمر هذا الشبح ذو الاسدال الأسود بالضحك .. ثم توجه الينا قائلا ( رائع ).. كانت أول كلمة نطقها و تبدو كبداية لحوار طويل
أحاول تمييز نبرة الصوت .. لكى أعرف اذا كانت تلك ميادة أم لا .. انه صوت أجش متحشرج فى الوقت ذاته .. لا استطيع أن أحدد أى شئ .. و لكن فى أغلب الظن انها فتاة .. انها ميادة .. ان صوتها يقترب كثيرا ..
تابعت ميادة ( رائع .. رائع حقا .. لم أتوقع أن تنجح الخطة بهذا الشكل .. ذكية أعلم هذا )
بادرها حسن و بدا عليه العزم .. من أنت ؟؟
أجابته بصوتها الضحل . بلهجة مستفزة .. أهدأ أيها الفتى .. ربما ستعرف لاحقا .. ثم تغيرت نبرتها .. أو لن تعرف أبدا !
صمت حسن للحظة .. و قدا بدا لسانه و قد انعقد عن الكلام .. ثم صرخ انت مجنـــــ .. و لم يكمل حسن الكلمة .. حتى سمعنا صوت ارتطام عنيف ..
أرى حسن مكوما على الأرض .. لا استطيع ان اجزم بانه حى أم ميت .. ماذا فعلت به .. انها تمتلك القدرة لتسيطر على الأشياء عن بُعد .. أى شبح هذا !
أنظر اليها و استمع الى توجع حسن .. الذى يدل على انه مازال على قيد الحياة .. و لكن يزيد رعبى
استكملت هذة القاتلة حديثها ( رائع حقا .. رائع حوارك يا معتز مع حسن .. رائع اخفاء كل منكم لسبب مجيئه .. رائع ما كان يدور بأذهانكم منذ قليل .. نجاح مذهل .. انتم مرتعبون الآن .. انتم تخافون الموت .. انتم تخافون منى
كما توقعت .. لاشئ سوى الخوف .. حسنا فلكل منكم دوره .. و لكن لنبدأ بأكثركم رعبا
ينظر كل منا للآخر .. و ينظر الى الفتى الملقى على الأرض .. مرعوبون .. فلا حركة
( نور .. ما الذى تفكرين به .. أنا أعرف فيما تفكرين .. أعلم ما يدور برأسك .. انتظرى دورك أيتها الخائنة ) .. صرخت بى موجهة لى تلك الكلمات
عندما تفقد قدرتك على النطق .. فليس باستطاعتك حتى أن تقول لا تعليق .. هذا يصف حالتى حينها ربما
نظرت ميادة الى صمتى .. ثم همست بابتسامة .. و كأن تروقها رؤيتى هكذا
( من السئ حقا ان تتمنى لأخيك الموت اولا و أنت فى لحظاتك الأخيرة .. أليس كذلك يا عبد الرحمن )
و تلقائيا يوجه كل منا نظره نحو عبد الرحمن .. انها العادة التقليدية المبهمة التى تعودنا عليها .. و لكن تلك المرة كانت لسبب .. و عندما نظرنا اليه و جدناه مرتعدا .. يكاد الشعاعان الأرجوانيان يخترقانه
استكملت ميادة بحنق .. انه دورك أيها الميت .. حينها ازداد ارتعاد عبد الرحمن .. و لكنها استكملت .. هل أزعجتك الكلمة أيها الميت .. ليس هذا باعتبار ما سيكون بعض دقائق قليلة .. فأنت ميت منذ ان خُلقت .. اذا بقيت لك قدرة على النطق . ولأننى أشك بذلك .. فأصمت و دعنى أسمعك حوارك الأخير
..
عبد الرحمن توفيق .. الميت .. دعنى احدث الزملاء عن سبب مجيئك الى هنا ..
لقد كنت صيدا سهلا .. ربما الأسهل .. المراجعة النهائية و الأسئلة الهامة لاختبار الغد .. المرسل : وصفى
أليس هذا مضحكا .. ان كل هذا العناء من أجل اختبار لن تحضره !
حقا لقد تحيرت .. كيف جذب انسان ميت الى هنا .. حسنا أرسل اليك هناك صديق يريد مساعدتك ! .. كيف و ليس لديك أصدقاء .. حتى و لو كان فأنانيتك لن تجعلك تلبى النداء .. حسنا هناك حفل للموهوبين و أطلب منك الحضور .. لن يجدى أيضا .. فأنت لا تمتلك موهبة سوى الغش تحت أسوأ الظروف .. اذا اعتبرنا هذه موهبة .. حسنا سأقول لك هناك مؤتمرا للمعرفة العلمية .. و لكن لن يجدى أيضا.. فأنت لن تحضر لانه لا يضاف الى تقسيمك النهائى .. هناك مؤتمر لرعاية اليتيم .. التبرع بالدم .. أطفال غزة .. القمة العربية .. الاحتباس الحرارى .. أى من هذه .. هل ستحضر .. هل تعلم أصلا بتلك الأمور .. هل تعلم أصلا عن أى شئ أيها الميت .. استتبرع بالدم لكائنات أقل رقيا كما تظن أيها المغرور .. أيهمك فى هذا الكون شخصا غيرك !
تأمل أعضاءك و حواسك و هبات الله عليك .. أنظر الى هيأتك البدينة التى تمنعك من المشى حتى ..لا أطلب منك أن تكون بطلا رياضيا .. و لكن على الأقل تعلم كيفية الحركة .. تأمل هيأتك الرثة انت حتى تهمل نظافتك الشخصية
انظر الى عينيك .. بدلا من أن تتأمل فى ابداع الخالق .. ان تلمح دمعة المظلوم .. و لكن أنت تدفنهما بين كتابين ليلا و نهارا .. ثم تستخدمهما مرة أخرى كآلة تصوير للأسئلة الهامة .. ثم مرة اخرى للغش من الورقة المقابلة .. ألهذا خلق الله عينييك !
انظر الى يديك اللتين لا تتحركا سوى للنقل .. تلك الأيدى الآلية .. التى لم تتحرك يوما للدعاء .. لكى تمسح على رأس يتيم .. كى تزيل دموع مظلوم .. كى تتقدم بصدقة لفقير !
انظر الى اذنيك الى قدمك الى قلبك .. قلبك الذى لا يؤثر فيه سوى فقدان الدرجات .. لا يؤثر فيه رؤية أسرى يتعذبون .. شهداء يقتلون .. أصدقاء يُجرحون .. طفل مصاب .. أم حزينة .. نساء يترملون .. أو يذوقون طعم الثكل .. ألهذا خلق الله قلبك !
أنظر الى عقلك الذى خُلقَ ميتا كصاحبه .. عقلك الذى تمنى من قليل أن يقتل جميع من بالمكان عدا انت .. عقلك الذى لا يحلم .. الذى لا يصنع .. الذى لا يبدع .. الذى لا يغير
دعك من كل هذا .. انظر الى امكانياتك .. انظر الى هاتفك الحديث الذى اشتراه لك والدك .. لماذا لا تصور صورة لأصدقاءك صورة لأقاربك صورة لأبيك و أمك . لما لا تصور صورة للغروب .. لانعكاس المنازل على صفحات الماء .. لما لا تصور أى من هذا عوضا عن صور الهستولوجيا التى لا تملأ بها هاتفك ..
انظر الى حاسوبك الشخصى .. الذى لا تجيد حتى استخدامه .. حتى واجباتك الدراسية تحتاج من يؤديها لك .. لما لا تحاول .. لما لا تتكلم .. لماذا أيها الميت !
انها تسأله و لكنها متأكدة انه لن يجيب .. فهى تتحدث الى جثة .. لكم أن تتخيلوا ان يشطر كل جزء فى جسمه ذكرته الى نصفين .. لا تنتظرى من تلك الأشلاء أن تجيب ..
أضاء الشعاعان الأرجوانيان مرة أخرى بعد أن أنطفئا للحظة ..
ثم بدأت فى الضحك .. و تحدثت الى .. نور ما رأيك فى أمثال عبد الرحمن ووصفى ! .. انظرى اليهما ألا يستحقان ما هما فيه .. الفتى عبد الرحمن و الطبيب وصفى ..طبيبك الذى تكنين له الاحترام .. استدراجه لم يتطلب سوى خدعة مهنية بسيطة .. فقد أتى للتشريح .. و لكنه لم يكن يدرك أى طرف سيكون من أجل نجاح تلك العملية
تشير باصبعها نحوه .. و تستكمل .. هذا البدين لا يستحق الحياة كغيره كثيرين .. انتم تضيعون أياما لن تدركوا قيمتها الا عندما تموتوا .. هذا الطبيب الذى شرح العشرات من جثث الفقراء .. يمتلك احدى اكبر عيادات المنطقة .. اجرة الكشف فقط تخل بميزانية اسرة متوسطة .. انه يتكسب من عناء الآخرين .. يتخد دور الإلة و يمنح الحياة فقط لمن يملك المال .. هذا الطبيب الذى تنازل عن مبادئة و تراجع فى قسمة .. و هو ايضا من يمنح علمه فقط لمن يدفع .. و لا يكتفى بذلك ..بل تخلى عن نزاهته فى منح منافسة نزيهة لطلبته .. و يمنح بعضهم فرصة افضل للنجاح .. أيضا مقابل المال .. انه يمتلك المال و السيارات و الشهرة .. و لكن ألا يستحق العقاب
ألا يستحقا الموت .. ألا تستحقين الموت .. اختفى الشعاعان الارجوانيان ثانية و هى تردد فكرى بما أقول .. ثم أضاءا مرة أخرى
أرج رأسى قليلا ॥ ربما لأننى أشعر بدوار .. و ارغب فى الاتزان ..جسدى ثابت كالأصنام .. تخطف عينى لقطات بينما تدور .. ثلاثة أشخاص حية .. أحدهما ينزف بلا حراك .. و الآخر يختبئ باآخر المكان .. و الأخرى .. أين الأخرى .. انه تتحدث معه .. انها تتحدث معها .. الشبح .. ميادة .. ( ضعيفة ) تلك الكلمة ترن بأذنى انها تكررها .. أوه । لا .. ضحى .. مستحيل
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق